حسن الأمين
52
مستدركات أعيان الشيعة
فيوقع صوته الرعب في قلوبهم وينفرجون من بين يديه مذعورين متباعدين عن طريقه . وهذا أمر اعترف به مؤرخو العهد القاجاري الإيرانيون أنفسهم ، وهم الذين أجبروا على كتمان فضائل « لطف علي خان زند » خضوعا لإرادة الحاكمين . وذكره الكاتب الانكليزي « جيمس موريه » الذي ساح في إيران مرتين وكتب كتابين عن سياحتيه . وهو مؤلف الرواية المشهورة « حاجي بابا أصفهان » . واستمر « لطف علي خان زند » يصول بسيفه ويشق الصفوف وحيدا ، بعد أن قتل حرسه المائة ، حتى نفذ من ثغرة السور وأصبح خارج « كرمان » ، ومعه بضعة من رؤساء حاشيته منهم « جهانجير خان » . وحين أصبحوا خارج السور لم يهتد هؤلاء إلى مكانه بسبب البلبلة والتشتت وحلول الظلام . وبقي وحيدا . وبذلك انتهت تلك الحرب الرهيبة . وفي اليوم الثاني قطعوا رؤوس رفاقة المائة ونصبوها على سور المدينة . ولما بلغ خبر إفلات « لطف علي خان زند » إلى « آقا محمد خان قاجار » غضب وعض على يده من الغيظ عضة أدمت يده ! إباحة كرمان وإعماء الكرمانيين حين انتهت الحرب في « كرمان » أطلق الخصي المتوج أيدي جنوده في « كرمان » يستبيحون منها ما شاؤوا . فبدأت حملة القتل والنهب ، وقد أهدرت دماء الناس وأعراضهم وأموالهم . فالجندي منهم يقتل من يروق له قتله من الرجال ويهتك ستر من يحلو له هتك سترها من النساء وينهب ما يعجبه نهبه من الأموال . وأغلق بعض الأهالي أبواب بيوتهم على أنفسهم وظلوا مقيمين فيها . وداهمها جنود « آقا محمد خان » فوجدوا كل من فيها من النساء قتيلا . لقد أقدم آباؤهن وإخوتهن وأزواجهن على قتلهن ليحفظوا شرفهن بالموت ! فكان الجنود المداهمين يتمون المجزرة بتعذيب من يجدونه في تلك البيوت من الرجال . ليحملوهم على الإقرار بما يحتمل أن يكونوا قد خبئوه من ذهب وفضة وجواهر ، ثم يقتلونهم ، وينهبون ما يجدونه من مال ومتاع . وبعد أن نهب جنود الخصي القاجاري كل شيء ، حتى القدر الحقيرة من بيت أفقر فقير في « كرمان » ، وقتلوا كل من أبدى مقاومة ، وعذبوا كل من ظنوا به الغنى ليحملوه على الإقرار بما عنده من مال حتى مات جماعة كبيرة منهم بالتعذيب ، وهتكوا أستار النساء والأبكار ، أمر الخصي القاجاري جنده بوقف الغارة فأوقفت . وقيل إن هذه الغارة دامت يوما واحدا وقيل يومين اثنين وقيل ثلاثة أيام . وقال بعض مؤرخي العهد القاجاري من الإيرانيين إن « آقا محمد خان » إنما أباح « كرمان » لما استولى عليه من الغضب بسبب فرار « لطف علي خان زند » . فلما بلغه نبا بان « لطف علي خان زند » قد اعتقل سكن غضبه فأمر بوقف الغارة . وهو قول مردود . لأن « لطف علي خان زند » فر إلى بلدة « بم » في الجنوب الشرقي من « كرمان » . وقد استغرق وصوله إليها يوما وليلة . وقبض عليه بعد ثلاثة أيام من إقامته فيها . فهذه أربعة أيام . وإيصال خبر القبض عليه إلى « آقا محمد خان » يستغرق ، في أقل تقدير ، يوما وليلة . فهذه خمسة أيام . وأولئك المؤرخون من مؤرخي العهد القاجاري يقولون إن نبا القبض على « لطف علي خان زند » وصل إلى « آقا محمد خان » بعد يوم من بدء الغارة ، أي يوم فرار « لطف علي خان زند » ، أو بعد يومين أو ثلاثة ، فسكن غضبه وأوقف الغارة ، مع أن وصول نبا القبض على الهارب لا بد أن يستغرق أياما كما رأيت . وحتى لو جعلنا مدة الغارة ثلاثة أيام فهي غير كافية لإيصال الخبر إلى « آقا محمد خان » . ثم إن « آقا محمد خان » عاد فأمر ، بعد وقف الغارة ، باعماء الكرمانيين كلهم . فما الذي أغضبه حتى أصدر هذا الأمر ! ؟ ألم يكن غضبه قد سكن بعد معرفته بنبأ القبض على « لطف علي خان زند » كما قالوا ؟ ! إن إقدام « آقا محمد خان » على إصدار هذا الأمر يصعب تعليله . وليس في اليد أثر باق منه يمكن أن يستنتج منه تعليل أو تكهن . وهو لم يكتف بالأمر باعماء الكرمانيين أمرا مطلقا . بل أمر بان يكون الاعماء على أفظع كيفيات هذا العمل الرهيب . كانت الطريقة المتبعة قديما في إعماء المحكوم عليهم هي إحماء ميل دقيق من المعدن ولسع حدقة العين به فيفقد المحكوم عليه بصره ولكن تبقى عيناه في مكانهما وعلى شكلهما . أما « آقا محمد خان » فقد أمر بان يكون الاعماء باقتلاع العين بالإصبع من مكانها ! كان الاعماء الجماعي نادر الوقوع جدا في تاريخ إيران . ولكنه كان شائعا في حكم الخانات في بلاد تركستان وما وراء النهر . وقد تعذر على المؤرخين الأجانب تبين السبب الذي حمل « آقا محمد خان » على القيام بهذا العمل الفظيع . ويقول « روبرت غرانت واطسون » الانكليزي لا يمكن افتراض سبب لذلك سوى إرادة « آقا محمد خان قاجار » الاقتداء بمن سلف من أولئك السلاطين ، إذ لم تكن له فائدة حربية أو غير حربية من هذا العمل . فما أفظعه من عمل وما أعظمها من حماقة ! كان جنود الخصي القاجاري يمسكون بالناس فيربطون أيديهم وأرجلهم ثم يقتلعون عيونهم بالأصابع ، ويقطعون ما بقي عالقا بمكان العين من أعصاب وعروق بالسكين . وكان بعض هؤلاء التعساء يموتون من النزيف وبعضهم بالغر غرينا . وقد غطت هذه الفظاعات جميع حسنات « آقا محمد خان قاجار » . فلا يذكره أحد اليوم بشيء سوى أنه ظالم طاغية . لا يذكره أحد بما هو عالم ذكي حازم مالك لهوى نفسه ، وأنه كان ، بعد « نادر شاه أفشار » ، موحد إيران . لطف علي خان زند في « بم » تابع « لطف علي خان زند » سيره قاصدا إلى « بم » وهي مدينة صغيرة تقع إلى الجنوب الشرقي من مدينة « كرمان » . وكان حاكما عليها رجل اسمه « محمد علي خان » ، وهو أخو « جهانجير خان » السيستاني الذي مر ذكره . واختلفت الروايات في عدد من صحب « لطف علي خان زند » من رجاله إليها . وأصحها أنه لما وصل إلى « بم » كان وحيدا . وفي « بم » نزل ضيفا على الحاكم « محمد علي خان » فاستقبله هذا بالإكرام والاحترام . ثم روى له « لطف علي خان زند » وقائع حرب « كرمان » . وساله عن أخيه « جهانجير خان » فأخبره بأنه خرج من « كرمان » سالما لا يلبث أن يلحق به .